Welcome to       Amrit-syria.com
Save Amrit              أنقذوا عمريت              Sauvez Amrit          أنقذوا عمريت               Save Amrit                أنقذوا عمريت              Sauvez Amrit          أنقذوا عمريت               Save Amrit                أنقذوا عمريت              Sauvez Amrit          أنقذوا عمريت              Save Amrit                أنقذوا عمريت              Sauvez Amrit          أنقذوا عمريت
 
أخبار عمريت
 
عمريت بالتعريف
 
مقابر عازار
 
المتطوعون
 
ماذا قالت الصحف
 
عمريت على الإنترنت
 
صور من عمريت
 
كيف نساعد؟
 
في عيون السياحة
 
نشاطات

 

السياحة الثقافية
 
Downloads
 
 
 
 
قصّتي مع عمريت
 
 
 
فجأة تبّدى لي، في العتمة الخفيفة، وهجاً أحمر كالجمر الداكن، في التراب الهشّ الرطب والبارد الذي أحمله في كفّي.! أهو يشتعل بما يحمله من عبق التاريخ..! أم هي همسات أرواح من دفنوا هنا، بدأت تتململ بعد أن حرّكنا سكينتها الأبدية..!
وسرعان ما أدركت أنّ تحديقي من الفتحة إلى الخارج حيث الشمس تسطع، ومن ثمّ إلى الداخل المعتم، هو المسؤول عن ظهور هذا الوهج الغريب لعينيّ.
أمسكت بالـ"مصطرين" وتابعت جرف التراب الأحمر المرصوص على الأرضيّة الحجرية غير المستوية، وكانت تتبدّى طبقات من الرمل استعملت لتسويتها، تختلط مع التراب ومع الأحجار الصغيرة التي دفنت هناك. ثمّ بدأت برفع الأتربة بواسطة "مجرود" وأضعها في "القفّة" الجلدية. وما إن امتلأت حتّى حملتها بكلتا يدي من قبضتيها، وارتقيت الحجر الكبير أمام الفتحة ووضعتها على الحافّة حيث انحنى سليم ليحملها ويرمي محتوياتها على بعد أمتار ويعود بها فارغة إليّ..
وقفت ألتقط أنفاسي.. وأنا أحدّق ببعض الحشائش اليابسة والأشواك، وابتسمت إذ عادت إليّ صورتي وأنا فتى يافع أتقافز في منطقة قريبة من حيث أنا الآن.. كثيراً ما كان يحلو لي التوغّل عارياً إلاّ من ثياب البحر، في هذه الأراضي البور، حيث تنمو الحشائش والأعشاب البرّية والأشواك، وبعض النباتات الشبيهة بالقصب، وحيث تلامس أوراقها جسدي وساقاي، فيحلو لي مصافحتها سريعاً بكفّي أثناء سيري، شاكراً إيّاها على الترحيب الحار..
بدأت علاقتي بهذا المكان حينما كنت في بداية مراهقتي وكنت آتي مع أهلي لزيارة خالي وأسرته في "الشاليه" البحري، حيث نمضي بعض الوقت في السباحة بالبحر، والبعض الآخر في الجلوس على الشرفة ومراقبة الغروب. وغالباً ما كنت أسرق وقتاً بين الوقتين لأتوجّه شرقاً وأعبر الطريق الإسفلتي الخاص بالـ"شاليهات"، وأتوغّل في تلك البقعة من الأرض البور، وكثيراً ما كانت تطالعني الحقول الزراعية التي تجاورها، حيث يتوزّع بعض الفلاحين والفلاّحات في أخاديدها يسقون ويشذّبون. وكنت في كلّ مرّة أحاول الابتعاد أكثر، أو التوجّه جنوباً لاكتشاف شيء ما، ولم أكن وقتها أفكّر بالمتعة التي أحسّها أو السكينة التي تجتاحني.! ولم يخطر ببالي أنّ هذه الأرض تحتوي كلّ هذا الحنان الذي أحسّه الآن وأنا أجلس في حضن التاريخ، في أحد مدافنها الأثرية..
عادت القفّة الفارغة وعاودت الجلوس في أرض المدفن أجرف الأتربة عن أرضيّته مرتقباً أيّة قطعة من الفخّار أو العظام أو أيّ شيء آخر، إذ تفرز القطع حسب نوعها والمستوى التي وجدت فيه، وتوضع في أكياس خاصّة ليصار إلى دراستها فيما بعد.
من كان يفكّر أنّني في يوم ما سأكون جالساً هذه الجلسة، في مدفن أثري، فينيقي ربّما، أعمل بالتنقيب عن الآثار.. وأنا الذي طالما كانت تستهويني هذه المتعة، ولكنّ حقل اهتماماتي ودراستي لم تسمح لي بأكثر من متعة زيارة الآثار والوقوف أمام عظمة ما تحمله من أسرار.. أمّا أن أعمل بالتنقيب، فقد كان ذلك مجرّد حلم.. ثمّ أين.!؟.. في آثار مملكة عمريت المجاورة لمدينتي جنوباً.!
وتساءلت: أأقول "مدينتي" !؟
بالأمس كنّا جالسين في أحد مقاهي المدينة على الكورنيش البحري، شباب بعثة التنقيب القادمين من دمشق، وأنا. وفوجئت بحديثهم المنشرح عن سرورهم وارتياحهم بالعمل والإقامة في طرطوس، قالوا: إنّ مدينتكم "مثالية"! قلت: كيف ترون ذلك؟ أجابوا: يكفيك أن ترى أنّ هناك شباب متطوّعون من أبناء المدينة، تجدهم على درّاجاتهم الهوائية، ودون اتّفاق مسبق يتوجّهون الواحد تلو الآخر إلى موقع أثري يتفقّدونه، ويسألون أعضاء البعثة عن حاجتهم إلى شيء .. أو ترى، العديد من رجال ونساء المدينة، في الصباح الباكر، أو عند العصر، يمارسون رياضة المشي، وأحياناً الجري، على طريق الشاليهات البحرية، وبعضهم على درّاجة هوائية، والآخر بسيّارة يقودها بهدوء على الطريق ذو الاتّجاهين.. وحين فوجئنا مرّة بسيّارة مسرعة تجتاح المشهد الجميل، انفجرنا ضاحكين حين اكتشفنا أنّ لوحتها غير طرطوسية.. أو ترى صاحب دكّان على الطريق نفسها، نقصده كل يوم لتناول الفطور عنده، ونكون قد أوصينا سائق الباص الذي يوصل العمّال صباحاً ليجلب لنا "مسبّحة" طرطوسية، وحين نصل إلى ذاك الدكّان يسرع صاحبه بتحضير أربعة كراسي وطاولة، ونبدأ نحن بمساعدته في تحضير الصحون، وتجهيز فطورنا، بينما هو منهمك بتقطيع البصل والبندورة وتحضير إبريق الزيت، وحين ننتهي نقوم بغسل صحوننا بأنفسنا وكأنّنا في بيتنا.. هذا شعور وجدناه فقط هنا، في طرطوس..
كأنّنا في بيتنا.!! أجل إنّها مدينتي..
منذ زمن لم أفكّر بعلاقتي مع طرطوس هذه المدينة الغريبة الأطوار.. أمّ أنّني أنا الغريب الأطوار.؟ حين غادرتها في أوائل التسعينات، لم أكن أحسّ بالحبّ نحوها، بل بالعتب! وكنت دائماً ألاحظ، قبل سفري، ثمّ أثناء زياراتي القصيرة المتكرّرة لها، أن معظم أهل طرطوس يتشكّون من معظم أهل طرطوس.. وأذكر تماماً حين اتّخذت قراري بالعودة منذ سنة ونصف، كيف كان يسكنني حنين غريب إليها، وكنت منذ زياراتي الأخيرة لها، قد بدأت أشعر بالشوق نحوها والارتياح في أجوائها، وبعد عودتي، أوّل ما بدأ يثير ارتياحي ومن ثمّ حبّي للمدينة وإدراكي لسبب رجوعي، هو ملاحظتي أنّ جيلاً جديداً من أبناء طرطوس يشعرون بحبّ كبير لهذه المدينة، ويرون تميّزها، ويسعون إلى النهوض بها!؟
النهوض بها.!؟ أليست كلمة كبيرة؟ ثمّ ماذا يعني "النهوض" بمدينة..!؟
قال لي أحدهم في معرض حديثنا عن فرص العمل: أسرتك إذا أحببتها ورعيتها تحبّك وترعاك، ومدينتك كذلك (وارتفع صوته هنا) إذا أحببتها ورعيتها، تحبّك وترعاك.! لعلّ هذا تلخيص بسيط وعملي جدّاً، للفكرة.!
وفجأة سمعت صوت عماد يقول: ((خلّي نغم وسليم يشيلو هالتلّة، وخالد وأسامة ساعدوني بترقيم الحجار)).
قفزت من المدفن واضعاً قدمي اليسرى في إحدى فجوات الجدار الأيسر، واليمنى على الحافّة العليا ممسكاً بيديّ في الحافّة الصخرية من الجانبين. وهج الشمس في الخارج ربيعي ضاحك، وصوت البحر رغم المسافة يصل إليك هامساً في لحظات السكون..
أمسكت بالرفش وبدأت أرفع الأتربة المتراكمة في تلّة صغيرة أمام المدخل المفترض للمدفن، وأضعها في العربة، عفواً أقصد "الحجّة"، هذا هو اسمها، وقد سمعت عنها قبل مباشرتي العمل مع البعثة، وحين رأيتها أدركت لماذا أسموها الحجّة، فهي تشبه أيّ شيء إلاّ العربة.! وكان على سليم أنّ يسير بها فوق اللوح الخشبي الطويل إلى بعد أمتار ويرمي الأتربة هناك، وبتعبير آخر كان على سليم أن يأخذ الحجّة ليدلّلها خلف التلّة، ونضحك بسرور حقيقيّ، ونحن نتصبّب عرقاً، وقد اختلط لون التربة ببشرتنا، فزادها حمرة بعد وهج الشمس.
وأتساءل كيف وصلْتُ إلى هنا؟
إنّه سحر عمريت.! أجل. منذ طفولتي كنت أرى مغازل عمريت من طريق طرطوس - طرابلس، وقديماً طريق طرطوس - دمشق أيضاً، كنت أراهما من نافذة السيارة، برجان حجريان شامخان يختفيان ويظهران مراراً من بين رؤوس الأشجار، ويثير هذا المشهد دهشتي وفضولي، وبقيت زمناً طويلاً أتشوّق لزيارة عمريت وكنت قد سمعت عن وجود معبد وملعب أيضاً، ولكنّ ذلك لم يتسنّ لي إلاّ بعد سنين..
هتفت المحامية مها: ألا تعرفون عمريت؟ كيف ذلك؟! أجبتها: لا أدري ربّما السبب هو عدم توفّر وسيلة نقل. وأصرّت على دعوتنا، مجموعة من الشابّات والشباب، لزيارة عمريت، وقالت وهي تقود سيّارتها: عمريت! مكان رائع أقصده مع العديد من الأصدقاء بين الحين والآخر، نغسل عن أنفسنا التعب بين أحضان الطبيعة والتاريخ..
وأذكر تماماً ما شعرت به إذ واجهت المعبد.. كان شعور غريب ممزوج فيه الفرح والنشوة بالأسف والخيبة، مكان ساحر كهذا، ليس له طريق واضح، ويكاد يكون متروكاً من الناس جميعاً، وحيداً وحزيناً، ولكنّه يبتسم…
ومنذ ذاك اليوم، ودون قصد أو ترتيب منّي، كان دوماً يستهويني المشوار البحري أثناء السباحة، لاختراق مخيّم عمريت والتوغّل بين القصب الأخضر إلى جوار النبع وصولاً على الطريق الترابي الذي يجتاز الطريق الإسفلتي، حتّى المعبد.. أتطلّع إليه، أستعيد الشعور بالوحدة والسكينة، أخاطبه أحياناً، أو أغنّي، وأعود أكثر حبّاً، وأنا أتحسّس العبق الساكن في هواء عمريت.
وحين صار لديّ درّاجة هوائية، كانت أروع لحظات أمضيها عليها، حين أكون مخترقاً طريق عمريت الإسفلتي بين أشجار السرو والكينا في نفق من حنوّ المكان وعبق الزمان، وأجدني تاركاً مقود الدرّاجة، وأحياناً مغمضاً عينيّ، فاتحاً ذراعي لاحتضان الهواء..
ها قد عادت الحجّة..
****
كانت الأعمال في اليوم التالي تتطلّب جهداً أكبر، والغاية منها الكشف عن مدخل المدفن، إذ أنّ الفتحة التي كنّا نستعملها لم تكن المدخل الفعلي للمدفن، بل هي فتحة أوجدها لصوص الآثار الذين مرّوا من هنا قبل تأمين الحراسة ومباشرة البعثة لعملها. كان علينا إزالة تلّ من الرمل والأتربة من الجهة الغربية للموقع وننـزل في الحفر هبوطاً حتّى مستوى الأحجار المنحوتة التي تشكل سقفاً للمدفن. ومن أجل الإنجاز السريع استعنّا بعناصر من الفريق الثاني للبعثة الوطنية، والذي يعمل على مقربة منّا في مدفن آخر.
حين تكاثرت الأيدي صار جوّ العمل أكثر حماساً، وصارت الرفوش تتزاحم لرفع الرمال, ورميها إلى العربات التي تسارعت حركتها بين الموقع والمكبّ، حيث ترمى الأتربة، وبقي المعول على أهبة الاستعداد للتدخّل عند الضرورة، فهو أكثر قدرة على التعامل مع الرمال العنيدة، وخلال ساعة كان التلّ الرملي قد أزيل، وبدأنا الحفر في تربة أقسى نسبيّاً، وحين اقتربنا من الحجارة التي تشكّل المدخل، اختلف أسلوب العمل، فأبعد المعول والرفش والعربة، واستدعي المصطرين والمجرود والقفّة، وصارت إزالة الأتربة عمليّة أكثر دقّةً وهدوءاً.
بعد انتهائنا من العمل، توجّهنا إلى مخيّم عمريت حيث يقيم فريق البعثة الوطنية للتنقيب، وبعضهم من أصدقائي القدامى. جلسنا في استراحة قصيرة، ثمّ انحدرنا باتّجاه الشاطئ، لم تكن أشعّة الشمس قويّة، فقد تكاثفت بعض الغيوم في السماء، واستقبلنا البحر بأمواج لطيفة غسلت عنّا التعب والأتربة، واستلقيت على ظهري تاركاً المياه تحملني بسكينة وشردت في أفكاري أتأمّل الغيوم وأشعّة الشمس..
منذ شهر فقط علمت بحملة صحفية جادّة تنادي لإنقاذ عمريت، فقد كانت المنطقة كلّها قد وضعت تحت تصرّف وزارة السياحة لإقامة مشاريع سياحية استثمارية، وكان لا بدّ من عمل سريع لإنقاذ آثار المنطقة والمحافظة عليها، فالفرق كبير بين سياحة ثقافية بيئية قائمة على ضفاف المواقع الأثرية، وسياحة الكتل الإسمنتية والمرافق المصطنعة!
واللافت، أنّ عدداً من شباب طرطوس هم من أثار الموضوع لدى الدوائر المختصّة، وسعوا بأكثر ما يستطيعون للإسراع في حملات التنقيب، وقد تجاوبت دائرة الآثار في المدينة، والمديرية العامّة للآثار والمتاحف، ووزارة الثقافة بشكل سريع، ولكنّ ضعف الإمكانيات بقي عاملاً مقلقاً نسبة لحجم الأعمال. وكان أحد الحلول حملة للتطوّع لخدمة عمريت ومدافن عازار..
وهكذا وجدت نفسي هنا.. في عمريت، في مدافن عازار، في تاريخ مدينتي، وفي حلمٍ جميل مشرق بمستقبلها..

 
2005/6/19
 
نغم عرنوق

مواليد 1961

إجازة في الفنون الجميلة - عمارة داخلية، من جامعة دمشق
تصميم طباعي - رسم

+963-92-459371